مما لا شك فيه ان الصراع الدموي الذي عاشته دول المنطقة وما زالت، أسدل الستار عن وجوه اللاعبين الاقليميين والدوليين، ومطامعهم الحقيقية فيها، وبات اللعب والتخاصم في ما بينهم على المكشوف فتحول معها دورهم الدبلوماسي من المعالج والباحث عن نقاط تسوية بأقل الخسائر الممكنة، الى لاعب "جوكر" مهمته " القش" قدر الامكان من دون قفازات ومهما كان الثمن.وربما هذا ما يفسر التوتر الذي تشهده العلاقات بين عدد من الدول التي تصنف في خانة الحليفة نتيجة تضارب في المصالح والنفوذ، في حين تشهد العلاقات بين عدد من الدول الأخرى انفتاحاً كبيراً بعد حالة من الجفاء وصلت الى حد القطيعة في ما بينها على خلفية العديد من الملفات. وربما الانفتاح السعودي- الروسي خير دليل على ذلك، والذي يبدو أنه مرشح الى مزيد من التطور، وقد تكون اولى بوادره وجهة مسار الحل الذي سيُعتمد في الايام المقبلة في سوريا، خاصة بعد سلسلة الصفعات العشوائية " بين المزح والجد" التي تلقتها روسيا من ايران في ملفات عدة بدأت مع قيام السلطات الايرانية قبيل رفع العقوبات عنها، برفع دعوى قضائية في محكمة التحكيم الدولية ضد روسيا متهمة موسكو برفض تزويد ايران بانظمة صورايخ مضادة للطائرات 300-S حيث أعرب الجانب الروسي حينها عن استيائه من هذه الخطوة "غير الودية" وفق ما تناقلته وسائل الاعلام الروسية، تبع ذلك تصريحات عن القيادة الايرانية أبدت فيها عدم رضاها عن القرارات التي تتخذها روسيا في سوريا، أضف الى ذلك التقارب الايراني- التركي الذي حصل مؤخراً حيث أعلن الرئيس حسن روحاني خلال زيارته تركيا عن استعداد ايران لتصبح الضامن لأمن الطاقة في تركيا بما لذلك من تداعيات خطرة على سوق الغاز الروسي وخسارة روسيا لتركيا كأكبرمستهلك للغاز الروسي، هذا عدا عن ممارسات ايران الاخيرة ومواقفها التي تحاول من خلالها التضييق على روسيا اقتصادياً وسياسياُ.
من هنا، فان الأرضية تبدو أكثر مهيأة من السابق لترسيخ التعاون السعودي-الروسي في ظل تقاطع المصالح في ما بينها حول الوجود الايراني في المنطقة ومطامعه، والذي يبدو انه سلك تكتيكاً جديداً في المواجهة مع ايران معتمدا فيه قاعدة "وين بيوجعك!" لتكون نقطة البداية نحو أي حوار مستقبلي مع الاخيرة، وقد يكون "حزب الله" هو المكان المقصود والأشد ايلاماً بالنسبة إليها. وربما هذا ما يفسر حالة التأرجح التي يمر بها مسار المفاوضات السورية الحاصلة في جنيف خاصة مع تعليق "وفد الرياض" مشاركته فيها، مما يشير الى توجه الجهات الداعمة لـ"وفد الرياض" لممارسة مزيد من الضغط على الجهة الراعية لهذه المفاوضات، أي موسكو وواشنطن، لدفعها في اتجاه اتخاذ خطوات تتجاوز بنود صيغة الحل الذي يجري نسجه لسوريا لتضم بنوداً اخرى لم تطرح بعد على بساط التداول والبحث الدولي والاقليمي، ألا وهي، خروج ايران وحلفائها الفوري من سوريا وتحديداً "حزب الله " وانتزاع قرار أممي رادع يمنع تدخلها مجدداً في ساحات دول المنطقة.
وهذا بالطبع ما عكسه النهج الروسي في متابعته للمفاوضات السورية الذي بدا فيها الاكثر تمسكا بالحل السياسي معتبرا "محاولات اصدار انذارات في المفاوضات السورية – السورية أمر مرفوض "وفق ما جاء على لسان وزير خارجيته لافروف خلال لقاء بكين مؤخراً، في حين يساور ايران قلق كبير من نتيجة المفاوضات، خاصة انها طرف غير مباشر فيها ولم تتمكن من انتزاع ثقة دولية بها على رغم تبنيها عنوان" مواجهة الارهاب والقضاء عيله"، في ظل ادراكها بأن أي نتيجة ستسفر عنها تلك المفاوضات، من المؤكد أنها لن تكون في صالحها خاصة لناحية التمكن من حجز مقعد لها أو لحلفائها تستطيع من خلاله تشريع نفوذها وبسطه مجدداً في المنطقة. من هنا برزت مؤخراً سلسلة تحركات قامت بها ايران بطريقة غير مباشرة في اطار ممارسة مزيد من الضغط على مسار المفاوضات، كان آخرها الزيارة التي قام بها الى بيروت كل من رجل الدين العراقي مقتدى الصدر وعبدالحليم الزهيري مستشار رئيس الوزراء العراقي السابق نور المالكي، وجواد الشهرستاني وكيل المرجع الشيعي علي السيستاني، للقاء الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، والتي وفقاً لما ذكرته مواقع عراقية، فإن هدف الزيارة غير المعلنة هو"توسيط "حزب الله" لاصلاح البيت الشيعي العراقي واعادة تأهيله لقيادة مرحلة جديدة بتكليف مباشر من ايران". اما الحراك الثاني فتمثل بفرملة المفاوضات اليمنية مع تعرض هدنة وقف اطلاق النار لانتهاكات وشيوع اجواء من التراجع فيها .
هذا الحراك الايراني الاستباقي لم يكن بمفاجئ لموسكو التي لمست مؤشراته مسبقاً بعد فشل المساعي التي قام بها نائب وزير خارجيتها ميخائيل بوغدانوف في مهمة خاصة الى طهران واقناعها بأن تكون شريكة من خلال الضغط على حليفها "حزب الله" في الجهود الرامية لانتخاب رئيس جديد للبنان فجاءت الذريعة الايرانية بأنها لا تستطيع طلب ذلك من الحزب طالما هو مدرج على لائحة الارهاب ويتعرض لضغوطات شتى. من هنا فإن موسكو التي بدأت تستشعر خطر انهيار أحجار التسوية التي رصفتها حتى الساعة بسبب ممارسات ايران وحلفائها في المنطقة لن تبقى مستمرة في دورها كحليف لايران، وانما من المرجح أنها ستنقل دفة العلاقة مع الاخيرة الى المواجهة، عبر ايكال اللاعب الاميركي لعب دور المواجهة مع ايران من خلال استهداف حلفائها وعلى رأسهم "حزب الله"، وما التدابير المالية والمصرفية والعقوبات التي اتخذتها واشنطن مؤخرا بحق الاخير سوى دليل على ذلك، حيث من المتوقع ان يزور لبنان في نهاية شهر ايار المقبل مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون تمويل الارهاب دانيال غلايزر حاملاً ملفاً كاملاً متعلقاً بالقانون الصادر عن الكونغرس الاميركي الذي يتناول تلك التدابير والعقوبات.
اذاً يبدو مصير التسوية في سوريا عُلق عليه قفل جديد وتُرك مفتاح حله معلقاً على شرط انهاء الدور الايراني في المنطقة عبر تقويض دور "حزب الله" بشكل خاص وشلّ قدراته ومنعه من التدخل في شؤون الدول الاخرى. وهذا ما كشف عنه رجل الدين العراقي مقتدى الصدر في حديث لإحدى الصحف، قال فيه: "ان الولايات المتحدة الاميركية وروسيا تحاولان التوصل الى اتفاق يسمح بالضغط على رئيس النظام بشار الاسد ويؤدي بصورة عاجلة الى انهاء تواجد مقاتلي "الحرس الثوري" و"حزب الله" اللبناني الذين يساندون قوات النظام السوري في القتال ضد المعارضة".
لينان24







